وجوب قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم

السؤال:
ما حكم قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية.
الجواب:
نحن أمام ثلاث حالات:
- المنفرد: يجب عليه قراءة الفاتحة في كل ركعة، وهي ركن في كل ركعة عند الجمهور، أما الحنفية فالقراءة عندهم ركن أما قراءة الفاتحة فواجبة إن لم يقرأها وجب إعادة الصلاة في الوقت، فإن لم يعدها فصلاته صحيحة مع الإثم.
- الإمام: يجب عليه أن يقرأ الفاتحة في جميع ركعات الصلاة عند أكثر أهل العلم، وبه نفتي.
- المأموم: قراءة الإمام للفاتحة مسألة خلافية حيث ذهب الحنفية إلى كراهة قراءة المأموم للفاتحة كراهة تحريم أي يأثم بقراءتها سواء في الصلاة السرية أو الجهرية، أما المالكية والحنابلة فعندهم يقرأ المأموم الفاتحة في الصلاة السرية دون الجهرية، وأما الشافعية فذهبوا إلى وجوب قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم في الصلاة السرية والجهرية.
والراجح مذهب الشافعية القائلين بركنية قراءة الفاتحة للإمام والمأموم، في الصلاة السرية والجهرية، في الفريضة والنافلة، في جميع ركعات الصلاة دون استثناء، فتبطل صلاة من لم يقرأ بها؛ لأدلة ثابتة صريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك منها على سبيل التمثيل لا الحصر:
- في سنن أبي داود بسند حسن (أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة، فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن، فلما انصرف قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر، قال: أجل، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، قال: فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه وقال: “هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ ” فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك. قال: “فلا، وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن! فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن”).
- وفي سنن أبي داود بسند حسن وهو صحيح لغيره – كما يقول الشيخ الأرناؤوط – عن عبادة بن الصامت قال: (كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: “لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ ” قلنا: نعم، هذا يا رسول الله. قال: “لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها”)، وفي صحيح ابن خزيمة (إني لأراكم تقرؤون وراء إمامكم؟ ” قال: قلنا: أجل والله يا رسول الله! هذا. قال: “فلا تفعلوا إلا بأم الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها).
- وفي سنن ابن ماجة بسند كل رجاله ثقات أن أبا السائب أخبره (أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج غير تمام”. فقلت: يا أبا هريرة، فإني أكون أحيانا وراء الإمام. فغمز ذراعي وقال: يا فارسي، اقرأ بها في نفسك). وفي المستدرك على الصحيحين عن محمود بن الربيع الأنصاري، قال: (قام إلى جنبي عبادة بن الصامت فقرأ مع الإمام وهو يقرأ، فلما انصرف قلت: يا أبا الوليد، تقرأ وتسمع وهو يجهر بالقراءة؟ قال: نعم، إنا قرأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلط رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سَبَّح، فقال لنا حين انصرف: «هل قرأ معي أحد؟» قلنا: نعم، قال: ” قد عجبت قلت: من هذا الذي ينازعني القرآن، إذا قرأ الإمام فلا تقرؤوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها).
- وفي المستدرك أيضا عن أبي هريرة، (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمره أن يخرج ينادي في الناس أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد») قال الحاكم: “هذا حديث صحيح لا غبار عليه، فإن جعفر بن ميمون العبدي من ثقات البصريين، ويحيى بن سعيد لا يحدث إلا عن الثقات». وقد صحت الرواية عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وأنهما كانا «يأمران بالقراءة خلف الإمام” وقال الذهبي في تعليقه على المستدرك: صحيح لا غبار عليه وجعفر ثقة.
- وصح عنه صلى الله عليه وسلم في سنن الترمذي أنه قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). قال الترمذي: ” وفي الباب عن أبي هريرة، وعائشة، وأنس، وأبي قتادة، وعبد الله بن عمرو حديث عبادة حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي r منهم: عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وغيرهم، قالوا: لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، وبه يقول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق”.
- وفي سنن ابن ماجه بإسناد حسن عن عائشة، قالت: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب، فهي خداج”).
- وعن أبي الدرداء، قال: سأله رجل فقال: أقرأ والإمام يقرأ؟ قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: أفي كل صلاة قراءة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعم” فقال رجل من القوم: وجب هذا).
- وفي سنن ابن ماجه بسند صحيح عن جابر بن عبد الله، قال: (كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب).
وأما الجواب عن عمدة ادلتهم وهو قوله تعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون) [الأعراف: 204] ووجه الدلالة أن الاستماع عام في الصلاة وغيرها فلا يقرأ المأموم وإنما يستمع إلى قراءة إمامه، فالجواب من أوجه أهمها:
- عموم الآية خص بالأحاديث السابقة، والخاص يخصص العام ويقدم عليه فلا تعارض بينهما، حيث خصت تلك الأحاديث الصلاة وأخرجتها من عموم الاستماع والإنصات.
- كما يمكن الجمع بين الآية والحديث أن يقرأ المأموم حال سكوت الإمام، حيث يسن للإمام أن يسكت بعد الفاتحة؛ ليترك مجالا للمأموم أن يقرأ الفاتحة.
- فإن لم يسكت يقرأ مع الإمام أثناء قراءة الإمام للفاتحة، فيكون جامعا بين الإنصات والقراءة.
- كما يمكن الجمع بين قراءة المأموم الفاتحة والاستماع إلى قراءة الإمام، فيستمع إلى قراءة الإمام ويقرأ في نفس الوقت، ويكون انصاته ناقصا لا كاملا، وما لا يدرك كله لا يترك جله، فكامل الاستماع مع شيء من الإنصات خير من ترك القراءة الواجبة.
- أضف إلى ذلك أن الاستماع إلى قراءة من يقرأ القرآن هو سنة عند معظم أهل العلم فالأمر في الآية للندب لا الوجوب، فلله درهم كيف يمكن لتعارض أي يكون بين سنة هي الاستماع إلى القرآن الكريم وبين فرض، بل ركن لا تصح الصلاة إلا به وهو قراءة الفاتحة، فلا شك أن الفرض يقدم على السنة، والواجب على المندوب، فالأقوى يقدم على الأضعف اتفاقا.
وأنبه إلى أن من أدرك الإمام وهو راكع سقط عنه قراءة الفاتحة اتفاقا؛ لأدلة كثيرة منها ما في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله r قال: ( من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة)، وأبي بكرة (أنه انتهى إلى النبي r وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي r فقال: «زادك الله حرصا ولا تعد»).
ومن أدرك بقدر نصف الفاتحة قرأ نصفها، ومن أدرك زمنا من القيام مع الإمام يكفي لبعض الفاتحة قرأ بقدر ما أدرك حتى لو أدرك زمنا يكفي لقراءة البسملة فقط اكتفى بقراءتها وركع مع الإمام وصحت ركعته، والله تعالى أعلم.
مصدر الفتوى من كتاب:
فتاوى معاصرة (2)، ايمن عبد الحميد البدارين، دار النور المبين للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2017م، صفحة (75-80 )



